حسن الأمين

19

مستدركات أعيان الشيعة

الدين . وقد حضر الركب التكروري ، والركب المغربي ، ولم يحج منهم أحد في تلك السنة . ثم إن السلطان أرسل كسوة الكعبة الشريفة ، وصرر الحرمين ، والزيت ، من البحر المالح في مراكب من الطور ، ويتهوجهون من هناك إلى جدة . . . ولم يسمع من مبتدإ دولة الأتراك [ المماليك ] وإلى الآن ، بان الحجاج امتنع خروجهم إلى مكة سوى في هذه السنة ، وهي سنة إحدى عشرة وتسعمائة « ( 1 ) وقد ورطت الحملة المصرية نفسها في ذلك الصراع الحجازي ، ثم ما كانت تفرغ منه حتى شرع حسين الكردي في بناء أبراج وسور على ساحل جدة ، وذلك في أواخر سنة 912 ه‍ / 1506 - 7 م ، فاضاعت الحملة وقتا ثمينا جدا . وأخيرا أبحر الأسطول المصري إلى الهند في سنة 913 ه‍ ، 1507 م ، وحينما وصل إليها ، أرسل الميدا Almeida حاكم الهند البرتغالي ، وولده لورننزو Lourenco لمنازلة الأسطول المصري . والتقى الأسطولان في شاول Chaul ( يناير 1508 م ) ، واشتبكا في معركة ضارية ، استمرت يومين كاملين ، عزم البرتغاليون في نهايتهما على الفرار ، ولكن المصريين ضربوا نطاقا حول الأسطول البرتغالي ، وتمكنوا من اقتحام سفينة القيادة البرتغالية وقتل قائدها وإغراقها . ولم ينج من الأسطول البرتغالي ، سوى سفينتين صغيرتين انتهزتا فرصة الفوضى التي أعقبت إغراق سفينة القيادة البرتغالية ، فانسلتا من الحصار ، وفرتا إلى القاعدة البرتغالية في كوشين تحملان إلى البرتغاليين أنباء الفاجعة التي حاقت باسطولهم ( 2 ) ولكن حسين الكردي لم يتابع هجومه على البرتغاليين ، وتلكا طويلا في ديو حتى هاجمه الميدا في 3 فبراير سنة 1509 م ، 914 ه‍ . وكان الأسطول البرتغالي مؤلفا من 19 سفينة ، بينما لم يتجاوز عدد الأسطول المصري 10 قطع فقط . ومع ذلك فلم تسفر المعركة عن نتيجة حاسمة ، ولم يستطع أحد الطرفين أن يدعي النصر لنفسه ( 3 ) وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدها الطرفان . ولكن الأمير حسين الكردي اضطر إلى الانسحاب من الهند ، فابحر إلى البحر الأحمر بثلاث سفن محملة بالتوابل والبضائع الثمينة ، قدمها إليه ملك كجرات ، كيما يستعمل ثمنها في تحصين جدة وإكمال سورها ، حماية لها من قرصنة البرتغاليين ، إذا ما سولت لهم أنفسهم مهاجمتها . وما كاد حسين الكردي يصل إلى جدة ، حتى شرع في إتمام « عمارة الصور والأبراج » . وهذا ما يؤكده ابن إياس في عبارة يشوبها شيء من الاضطراب ، ( 4 ) ويؤكده المؤرخون البرتغاليون الذين كانوا يتتبعون من الهند حركات حسين الكردي بدقة بالغة ( 5 ) ثم توجه حسين الكردي إلى القاهرة ، فوصلها يوم الخميس سلخ رمضان المبارك سنة 918 ه‍ ، 1512 م بعد غيبة دامت « سبع سنين وثلاثة أشهر » وكان الغوري أثناء ذلك يعمل جاهدا على أعداد أسطول ثان في السويس ، على الرغم من الأزمات العصيبة التي كانت تكتنفه من كل ناحية ، والعقبات الكبيرة المثبطة التي اعترضت سبيله . وقد ساعده على ذلك السلطان بايزيد الثاني ، فامده بكثير من المعدات وأدوات القتال . وقد وصلت إحدى امداداته إلى مصر في أواخر شوال سنة 916 ه‍ ، 1510 م ( 6 ) ، ووصلت أخرى في رمضان سنة 918 ه‍ ، 1512 م ( 7 ) . ثم أمده ب 000 ، 2 مقاتل من العثمانيين ، وعلى رأسهم الرئيس سليمان للعمل في الأسطول ( 8 ) لم أهتد إلى تاريخ مجيء الرئيس سليمان ورجاله إلى مصر ، ولا أدري هل جاءها مع الامدادات العثمانية الأولى ؟ أم مع الثانية ؟ أم جاء مع رجاله على حدة ؟ ولكنه كان في السويس عندما زارها السلطان الغوري في أوائل سنة 920 ه‍ ، 1514 م للكشف على سفن الأسطول المصري التي كان يجري انشاؤها هناك ( 9 ) . وكان سليمان هو الذي أشرف على أعداد ذلك الأسطول وتجهيزه ( 10 ) وقد أنفق عليه الغوري ، « نحو أربعمائة ألف دينار وكسور بالإضافة إلى الامدادات التي جاءت من بايزيد . وقد عهد الغوري إلى الرئيس سليمان قيادة ذلك الأسطول ، فخرج وجنوده من القاهرة في 10 رجب سنة 921 ه‍ ، 1515 م ، وكان الأسطول مؤلفا من 20 مركبا . وقد أبحر إلى جدة للانضمام إلى الأمير حسين الكردي الذي كان قد سبقه إليها في 14 جمادى الأخرى سنة 919 ه‍ ، 1513 م . وليس من غرضنا أن نتتبع أثر الحملة بعد أن أبحرت من السويس ، ويكفي أن نشير إلى أنها انحرفت عن غايتها الأولى ، وهي التصدي لمقاومة البرتغاليين في المحيط الهندي ، إلى محاربة اليمنيين . استغرقت هذه الأحداث فترة من الزمن تمتد من سنة 911 ه‍ ، 1505 م إلى 921 ه‍ ، 1515 م . أي أكثر من عشر سنوات . فكيف عالجها النهروالي ؟ لنستمع إليه : « . . . فجهز السلطان ( قانصوه ) من كبار مقدميه الأمير حسين الكردي ، وأصحبه طائفة كبيرة من اللوند ، كبيرهم سليمان الريس ، وحجز لهم عمارة عظيمة ، وأغربة نحو الخمسين ، بمدافع كبيرة ، وضربزانات وولاه نيابة جدة ، وعظم شانه . وكان مقداما شجاعا فاتكا ، كثير الظلم ، شديد السياسة . فأول ما جاء بنى على جدة سورا محيطا بها في عام سبع عشر وتسعمائة ، حمل فيها التجار التراب والأحجار ، وهدم ما أراد من بيوت المسلمين ، وغصبها وأدخلها في البناء ، ووضع بعض التجار في وسط البناء ليبني عليه ، فخلص نفسه بمال كثير ، بعد الشفاعة فيه . . . » ولما فرغ الأمير حسين من بناء سور جدة ، توجه باغربته إلى الهند ، ودخل « أمير » ، واجتمع بالسلطان مظفر شاه ، وحصل منه امداد كبير غير أن الفرنج ارتفعوا إلى كوة ( جوة ) ، وما أمكن الأمير حسين أن يستمر في

--> ( 1 ) أحمد بن محمد بن إياس : » بدائع الزهور في وقائع الدهور « ، ج 4 ص 89 . ( 2 ) 7 - 116 . F . B . Eldridge . The Background oF Eastern S PP : 45 . Panikkar . Asia and wester Dominane . P . . 45 . Panikkar ( 3 ) ابن إياس ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، ط . دار المعارف بالقاهرة ، ج 4 ص 286 - 287 . ( 4 ) ( n 50 - 48 . quoted by Mansel Longworth Dames . . ) The Book of Duarte Barbosa . Vol . PP . 3 . De Barros . Daadas ) Dec . III . , KK . i . ch . ( 5 ) ابن إياس ، ج 4 ص 201 . ( 6 ) ابن إياس ، ج 4 ص 201 . ( 7 ) المصدر نفسه ص 285 . ( 8 ) المصدر نفسه ص 365 ، 458 . ( 9 ) المصدر نفسه ص 365 . ( 10 ) أحمد بن محمد بن إياس : « بدائع الزهور في وقائع الدهور » ، ج 4 ص 89 .